محمد خليل المرادي

15

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

النابلسي ، وانتفع به ولازمه وصحبه وجالسه مدة ست عشرة سنة . وكتب تآليفه . وحفّته بركاته ونفحاته . واستقام في محكمة الصالحية ، رئيس كتابها ، إلى أن مات . وكانت حججه حسنة موثقة ، حتى كتب مرة حجّة إجازة نظما ، كما وقع ذلك لابن الوردي . وكان أحسن كتّابها وأعرفهم . وفي آخر عمره لازم الزراعة ، والمشدّ في قرية برزة ، حتى انقطع بها ، وكان لا يجيء إلى الصالحية إلا قليلا . وانعزل عن المخالطة قبل وفاته بكم سنة ، حتى كان يقول : إذا نزلت إلى دمشق أرى حالي كأنني غريب ، لكونه بلغ من العمر ما ينوف عن الثمانين . وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه . وقال في وصفه : هو في الأدب البلبل الصادح ، أو الزند الذي هو في مرامه قادح . قام من المهد إلى الوجد ، وسلك به من الغور إلى النجد . وتمشّى في مفاصله تمشّي المدام ، أو تمشّي الثمل من النّدام . فإذا غنى له به رقص ، وإذا تلي عليه ذكر الغرام زاد هيامه وما نقض . فكم لازم فيه الشطح والسبح ، وانتهز ليالي لو صادفها الرضي لأعرض عن ليلة السفح . لم يزل في ذلك على وتيرة ، وهو في أمره في حيرة وأي حيرة . يتعهد مراتع الغزلان ، ويتحمّل من التّجنّي ما لا يقوم به ثهلان « 1 » . فطورا بالعذار له ولوع ، وطورا بالخدود الناعمات ، إلى أن أتاه النذير ، الزاجر عن اللهو التبذير . فهمّ بالإقلاع ، وانخلع من تلك الربقة أي انخلاع . وقد نشأ وهو من نور عينيه يكتسب ، ويطرّز الرقاع بما إلى ياقوت ينتسب . والخطّ والحظّ اجتماعهما في شخص متعذّر ، وورودهما معا على أكمل نحو متعسّر . وهو من الزمرة التي حبست عليهم الصّحبة ، والرّفقة الذين أرضعهم الإخاء أفاويقه وسحبه . فكم أسمعني من أشعاره ما هو الماء والخمر ، وما استغنيت به عن منادمة زيد وعمرو . وهاك منه نبذا بديعة ، تجعلها في حقق الآذان وديعة . انتهى مقاله . وكان له لطرف جدي ووالدي انتماء وانتساب ، وهو من أخصّ الأحباب . حتى إنه وقف عقاراته وأملاكه بعد وفاته ووفاة زوجته وأولاده على مدرسة الجد المرادية . وقد اطلعت على ديوان شعره ، فمن ذلك قوله : قسما ببابل لحظك ال * فتّان مع مجدول قدّك وبميم مبسمك الشّهي * ي وما حوى من طيب شهدك وبنون حاجبك الأزج * ج ومسك خال فوق خدّك وبسين طرتك التي * قد أعجمت من شين شدّك وبغضن قامتك الرطي * ب الدلّ مع رمّان نهدك

--> ( 1 ) على وزن سلمان : جبل .